الجنيد البغدادي
80
رسائل الجنيد
أقرب من الروح إلى الجسد ثم استقبلني روح كل نبي وسلموا علي وعظموني وكلموني وكلمتهم ، ثم استقبلني روح محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقال : يا أبا يزيد مرحبا وأهلا وسهلا فقد فضلك اللّه على كثير من خلقه تفضيلا ، إذا رجعت إلى الأرض فأقرأ أمتي مني السلام وأنصحهم ما استطعت وادع لهم وادعهم إلى اللّه عز وجل . ثم لم أزل مثل ذلك حتى صرت كما كان من حيث لم يكن التكوين وبقي الحق بلا كون ولا بين ولا أين ولا حيث ولا كيف جل جلاله وتقدست أسماؤه . قال الشيخ قدس اللّه سره العزيز : معاشر إخواني عرضت هذه الرؤية على أجلاء أهل المعرفة باللّه فكلهم يصدقونها ولا ينكرونها بل يستقبلونها عند مراتب أهل الانفراد بالقصد إليه سبحانه وتعالى ثم يحتجون بقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : " إن العبد لا يزال من اللّه واللّه منه ما لم يجزع فإذا جزع وجب عليه العقاب والحساب " « 1 » وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : " إن من العلم كهيئة المخزون لا يعرفه إلا أهل العلم باللّه تعالى ولا ينكره إلا أهل الغرة باللّه تعالى " « 2 » ، ولولا كراهية التطويل لذكرنا احتجاجهم على صحتها من الأخبار الصحيحة والحكايات المشهورة المعروفة ، ولكن معرفتي أن كل من جهل مراتب الأصفياء وأهل المعرفة فلا يعرف قدرهم وشرفهم ولا تغني عنهم كثرة الدلائل والبيان ، ولا تنفعه كثرة الحجج والبراهين ، كما قال اللّه سبحانه وتعالى : وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [ يونس : 101 ] وقال سبحانه وتعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ الأعراف : 146 ] الآية ، وقال سبحانه وتعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ [ العنكبوت : 49 ] وقوله تعالى : سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] .
--> ( 1 ) رواه المتقي الهندي في كنز العمال برقم 25088 . ( 2 ) ذكره الحافظ العراقي في تخريج الإحياء بلفظ " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة باللّه تعالى ، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار باللّه تعالى فلا تحقروا عالما آتاه اللّه تعالى علما منه ، فإن اللّه عز وجل لم يحقره إذ آتاه إياه " وقال : رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف .